جلال الدين السيوطي

629

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

الأخطار والمروءات إلا وهو يناجي أبا عبيدة ويتقي لسانه . قال : وحدّث المبرّد عن التنوخيّ ، قال : كنا عند أبي عبيدة ، فجاءه رجل ، فقال : إني قصدتك من بلد شاسع ، وأريد أن تخصّني وتصبر عليّ . قال : أفعل . فكان يصبر له وكلّم رجلا ، فقال له يوما : من أيّ شيء أخذت السراج ؟ قال : من الإضاءة ، يقال : أسرجت ثنايا فلان إذا لمعت ، وأسرج الليل إذا أضاء بقمر أو كوكب . قال : فمن أيّ شيء أخذ الغدر ؟ قال : من التخلّف في الوفاء ، وهو من الغدير ؛ لأنّ السيل غادره إلى تركه . قال : والخليج ؟ قال : هو الجذيب ، يسمّى بذلك لأنّه جذب عن معظم النهر والبحر ، واختلجه عن الأمر اجتذبه قال : فقولهم : اختلج الأمر في صدري ؟ قال : يجب أن يكون من هذا كأنّه انجذب إليه حتى تردّد وتحيّر فيه . قال : فاختلاج العين قال : هو من انجذاب الأشياء عن مواضعها ، والعرب إنّما ترى في حمل الشيء على الشيء وتشبيهه به ، فلو طالبتها بمثل هذا ما قامت به . قال : فنبتة خلوج ؟ قال : تجتذب الإنسان والهائم . وغضب أبو عبيدة ، وقال : ما هذا ؟ ! ما أسجد الله لي ملائكته ولا أحضرني مع آدم إذ علّمه الأسماء كلّها ، وإنّما يسنح لي الشيء إذا لم أسمع فيه حجة ، فأقول برأيي ، فربّما أصبت ، وربّما قاربت ، ولعلّ ذلك على ما تأولت ، ولئن عدت إلى مثل هذا الإلحاح لألجأنّ إلى الله ، وإلى من يحضرني فيك . فعقل الرجل بعد ذلك ، فكان يرفق في سؤاله . قال ياقوت : قرأت بخطّ عبد السلام المصريّ عن أبي العباس المبرّد ، قال : قال أبو عبيدة : اعتللت علّة ، فأتاني أبو عمرو المديني ، وخلف الأحمر ليعوداني ، فوجداني ثقيلا ، فسمعت خلفا يقول لأبي عمرو : عين ، جودي لمعمر بن المثنى فأجازه أبو عمر بما لم أفهمه ، فما زالا حتى عملا قصيدة ، وأفقت من العلة ، وتوفيا ، فدخلت قبريهما ، فجعلت أضرب أستاههما باللّبن . في تذكرة ابن مكتوم عن كتاب الفصوص لصاعد اللغويّ ، قال : حدثني أبو الحسن الأزديّ بالبصرة ، قال : حدثنا ابن دريد عن الأثرم ، قال : حضرت الفضل بن